Ahmad Shafie ‘ Egypt

  • إله النهار/إلهة الليل
    أحمد شافعي

    لم تكن أخبرتني بأن هنالك قبوًا قريبًا ولكنني لم أشاهده،

    قبوًا، هنا، تحت رجليَّ، تمضي إليه الفراشات التي نحسبها تحترق فتبقى لها فيه كلُّ ألوانها، وتبقى حبوبُ لقاح تموت ببطءٍ، مهدَرَةً على الأجنحة.

    لم تكن أخبرتني عن القبو، إذ ليس ثمة قبوٌ، ولكنها ـ كما في كل أيامنا ـ شاكستني: طوالَ النهار أطاردها، وفي الليل تطعمني ريقها، تأكلني، تقبلني في جبيني، في إبطيَّ، تعمِّد أعضاءها في منيي، ترقد متعبةً

    تحت رجليَّ.

    ولا بد أن هنا تحت رجليَّ قبوا، وإلا

    فأين اختفت.

    ***

    ما النهار إذا لم يكن ليلا ارتاح من رفقة روحه واطمأن إلى رفقة الكائنات؟

    وما الليل إلا نهار عاكف على الخمر يشحذ ـ هكذا ـ روحه، يغرسها في خلاياه.

    لا. إنني لا أقول: هنا أتحرك. بين النهار والليل. لكنني عجينة من النهار والليل، أو ربما، لم لا، أكون كائنا تملؤه روحه جيدًا ولا فكاك.

    ***

    قلت “لا أستطيع”

    وبالفعل ما كنت أقدر أن أبني من أجلها قلعة تختفي في سراديبها عن الكائنات وترصد من كواتها الكائنات؛

    فالنهار لهم، بيتهم، متنزههم ومعبدهم الخرِب، والليلُ كلبةٌ مذعورةٌ تدفعها الغريزة عن بلدانهم تنبئها أن بلدانهم هذه على وشك أن تحترق

    غريزتها

    كاذبة دوما وفاعلة دوما

    والليل ما دام كلبةً مذعورةً فهو لا يتمهل، لا يمنح البناة ثباتًا، هكذا الحضارات كلها تكون بنتَ النهار وهكذا أنا همجيَّ الحضارات كلها.

    ***

    لم أقل لها قط “من أي شيء هذه الخمشات على رقبتك؟”

     

    كنت أعرف أننا ـ بعد كل نهار ـ نعود من ساحة القتال نفسها

     

    لا تقول لي “اخلع ثيابك عنك وعني وخذني إليك”.

    كنا اكتشفنا العتمة

    أصبحت موطئنا الوحيد، ومرقدنا الذي كل موضع سواه حذر. أصبحت خمرتنا والرغيف. وأصبح للأزرق ـ هكذا ـ ملمسٌ أعرفه على نهدها، وتعرفه أينما تضع على جسدى شفتيها.

    فهل من قبيل الشطط إذن أن أرى سماء النهار كدمة تفقدها إلهة الليل بالليل ـ وهكذا.

    ***

    ترجعين وأرجع.

    يتبدل لون السماء. تسلِّم حيواناتُ النهار أماكنها لحيوانات الليل. تمتلئ المركباتُ بالعائدين فالمراحيضُ فالكنبات. تدب الروح في التليفزيونات، تترك البجامات مواضعها على حوافِّ الأسرَّةِ تنتصب وتحتضن

    وتتمطى، تنفتح الأكياس ينسكب اللب والبرتقال، تمتلئ السجاجيد بالقشر، يتصاعد البخار من أعين البوتاجازات يسيل على زجاج النوافذ، ينفكُّ حبس الصودا والضحكات وآهات اللذة والشِعر والدموع

    والبارفان.

     

    ترجعين؟

    وأرجع؟

    لا تقولين “أين قضيتَ النهار؟” ولا أسألك. فإذ ترجعين وأرجع، نفعل مثل الذي تفعل الكائنات

    انظرى

    هذه صفصافة ترتجف.

    ما أن تغرب الشمس حتى يعود إليها ظلها الذي يظل ـ طوال النهار ـ أمامها، وبعيدا.

    انظرى.

    إنها ترتجف.

    مثلما الآن أرقص، والأرض كرة تحت رجلىّ.

     

    ahmadsshafie@yahoo.com