Ahmad Yamani

  • الإسلام الإسباني

    ما ندين به للإسلام

    فرناندو سانشيث دراجوه

    ترجمة عن الإسبانية: أحمد يماني



     

     

     

    في العام 1996 قام الكاتب الإسباني فرناندو سانشيث دراجوه بإلقاء محاضرة بعنوان “ما ندين به للإسلام” وذلك في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، وقد تضمنها كذلك كتابه المعنون” الإسلام في مواجهة النظام العالمي الجديد” الصادر في مدريد في العام نفسه. وسانشيث دراجوه (1936) روائي وناقد أدبي وله عدة برامج تليفزيونية ثقافية، وعدد هائل من الكتب نذكر من بينها:  “جارجوريس وهابيديس، تاريخ إسبانيا السحرية”، “طريق القلب”، “دليل المتاهة”، “تقويم روحي”، “الطريق إلى إيتاكا”، “رسالة إلى يسوع البابا”.

    نقدم هنا مقتطفات من هذه المحاضرة.

    قلت إنني مدين بالشكر للإسلام لعدة أسباب. أولا بسبب الميراث الإسباني، لا يمكن أن تكون إسبانيا دون الشعور بإنك مسلم، بأنك تنتمي للإسلام، بأنك واحد من شمال إفريقيا أو من الشرق الأقصى الأسيوي.

    وثانيا بسبب مفهوم الشرف والنبالة والذي ظل لقرون العمود الفقري للوجود وللممارسة الحياتية للإسبان وأننا مدينون به، من بين أشياء أخرى كثيرة، للعرب. إن مفهوم النبالة Hidalguía، أي مفهوم أن تكون “ابنا لصنيع”(1)، لأعماله التي تخصه، لهو مفهوم بعيد كل البعد عن رؤية عالم الفكر الغربي، وصل إلينا عن طريق العرب والمسلمين وهنا امتدت جذوره.

    كذلك على أن أعرب عن امتناني للعالم الإسلامي بسبب مفهوم الجهاد. إن مفهوم الجهاد مهم جدا بالنسبة لشخص مثلي يعرف نفسه، عن حق أو باطل، خيرا أكان أم شرا، بأنه محارب؛ لإنه بدءا من تلك اللحظة التي دخل فيها هذا المفهوم فإن العسكريين تخلوا عن عسكريتهم ليصيروا محاربين؛ إن الفارق جذري وسحيق بين العسكري والمحارب: العسكري يعتاش على الحرب ومن ثم فإنه يثيرها، يخترعها، ينشطها؛ بينما جل ما يحاوله المحارب، بسبب نشاطه في العدالة والقوة والقناعة، أن يتجنب بالضبط آثار الحروب.

    في الوقت ذاته، بالتوازي مع إدخال مفهوم الجهاد إلى التاريخ العسكري، هناك “الأوامر العسكرية” هذا المسمي بالغ الإسبانية، هو كذلك التحول من عسكري إلى فارس، إنه أيضا ميراث إسلامي. الأوامر الفروسية، الأوامر العسكرية تأتي مما يسميه المسلمون فيما بينهم بالرباط Ribat، من حيث تأتي بشكل

    إسباني جميل كلمة Rápida والتي تمثل نوعا من الدير العسكري، دير محاط بالأسوار، وهناك نشأ مفهوم الفروسية، حيث ولدت فكرة الأوامر العسكرية، وسيكون المسيحيون، عند ذهابهم لبيت المقدس، زمن الحروب الصليبية، من يدخلون هناك في علاقات مع العالم العربي ومن يستقبلون هذا المفهوم ويعيدون زرعه في إسبانيا وفي العالم الغربي، لكنه لم يترسخ في أية بقعة مثلما حدث في شبه الجزيرة الإيبيرية.

    امتناني كذلك للعالم الإسلامي بسبب الشعر العربي الأندلسي، من سمح، على سبيل المثال، بازدهار شعر جيل 27(2) دون الذهاب أبعد من ذلك. ما كان ليوجد كل هؤلاء الشعراء الإسبان العظام دون الشعر العربي الأندلسي السالف، الذي لم يكن مكتشفا، لكن كان مترجما ومدروسا وموضوعا في مداره من قبل إميليو جارثيا جوميث.(3) وامتناني لكل ما شكل رؤية العالم الأندلسي.

    امتناني نفسه لمدرسة المترجمين في طليطلة والتي بفضلها ولد، بين أشياء أخرى كثيرة، مفهوم أوروبا.

    امتناني كذلك لأسباب شخصية. فقد أنهيت كتابي “إسبانيا السحرية” في مدينة فاس الرائعة ومن نافذة نزلي في Ville Nouvel، في المدينة الجديدة، في المدينة الفرنسية لفاس، كنت أري فاس البالي، المدينة القديمة لفاس والتي بنيت على أيدي أسلافي، على أيدي الأندلسيين الذي فروا هاربين من تمرد ضاحية قرطبة(4) في القرن التاسع واستقروا هناك وأنشأوا هذه الأعجوبة، هذه المعجزة، متاهة المتاهات هذه.

    امتناني كذلك لأشياء مثل الكسكس، والذي لا يجب علينا أن نسميه هكذا بل كث كث Cuz-cuz كما كان يسمى قديما في إسبانيا؛ والشاي بالنعناع. امتناني كذلك للحشيش والذي، على المستوى الشخصي، غير حياتي.

    امتناني للإسلام، نحن الذين ولدنا في حضن اليهودية المسيحية نعلم مدى أهمية هذا، لأنه أعطانا المثال، النموذج، وأرانا الطريق نحو ديانة بلا كنيسة، بلا طقوس، تقريبا بلا طقوس، وأخيرا لأشياء أخرى كثيرة.

    اعتدت القول إنه سيكون على، بشكل لا يمكن تحاشيه، أن أكتب كتابا عن الإسلام. لن يكون كتابا متبحرا ولا بحثا فلسفيا، بل سيكون كتابا معيشيا، وأعرف ما الاسم الذي سيأخذه. سيحمل عنوانا، بالعربية مكونا من ثلاث كلمات، أي ثلاثة مفاهيم تحدد وتعين تماما الفلسفة الخاصة والطريقة المميزة لمجابهة الحياة التي يحظى بها الإسلام. الكلمات الثلاثة هي: إن شاء الله Insha’Allah، بكرة Boukra، شوية شوية Shuai-Shuai. أظن أنه سيكون جيدا للعالم الآن، أكان مسلما أم لا، أن يتمثل هذه المفاهيم الثلاثة وأن يطبقها.

    أعتقد أنه لا يمكنني أن أتحاشى، ما دمنا هنا في إسبانيا، في الجزيرة الإيبيرية، في الإمبراطورية الغربية، وما دمنا في الأندلس، أن أشير إلى هذه الظاهرة التي ليس لها شبيه في التاريخ الكوني والتي كانها الإسلام في إسبانيا. وأود أن أبدأ مستدعيا شخصية النموذج الأولي للمحارب الإيبيري، استدعاء شخصية  رودريجو دياث دي بيبار، “السيد (5)  El Cid الذي ، كما تعرفون جميعا، يسمى هكذا باسم عربي وليس قشتاليا، Sidi (سيد). يرجع الفضل في جل ما نعرفه عن السيد إلى التواريخ العربية. السيد الذي اشتهر بأنه الفارس الشجاع القشتالي، الجاذب لإسبانيا عميقة اليهودية المسيحية، كان، مع ذلك، فردا دخل التاريخ بفضل العرب. كان العرب من قاموا بذكره  وأخذ الإسبان ذكره عن الوقائع العربية. يفتنني شخصيا السيد لأنه كان التمثيل للفارس المستعرب( بفتح الراء) (6) mozárabe. عندما كنت أكتب “تاريخ إسبانيا السحرية” قمت بعمل يافطة بالخط الكوفي وعلقتها على باب بيتي حيث كتبت: Fernando Sánchez Dragó Al-Muzarab فرناندو سانشيث دراجو المستعرب  mozárabe. حسنا، لم أفعل سوي إعادة لما فعله قبل عدة قرون مواطني ومواطنكم رودريجو دياث دي بيبار.

    ثمة لحظة مأساوية في تاريخ إسبانيا لأنه ربما للمرة الأولي وبتكاثر جرثومي متزايد زرع هذا التناقض ألا وهو التراث والانتحال. اللحظة الأولي التي تم فيها بطريقة شديدة المفعولية القطع مع التراث؛ وأعني عهد الملك ألفونسو السادس، الملك الذي تزوج خمس مرات وكلها من أميرات فرنسيات، الملك الذي غزا طليطلة، الملك الذي تحت حكمه نفي السيد من الأراضي المسيحية وظل فيما بقي له من حياة يحارب في أراضي المورو ويخدم دائما ملوك المورو وليس المسيحيين. لماذا حدث هذا؟ لأنه في فرنسا وإيطاليا، في روما في ذلك العهد لم يكن ممكنا التسامح مع الهرطقة الكبيرة التي كانت تعني، في تلك القرون، أن كل الطقوس، أن كل الشعائر، كل اللغة الكنسية للعالم المسيحي كانت تتم حسب اللغة الغالية galicano أو اللاتينية، هنا، في المقابل، كان لدينا طقس، إيبيري بشكل خاص، الطقس المستعرب. خلال حقب عديدة كان ملك فرنسا وبابا روما يضغطان ويضغطان على ملوك ونبلاء وكهان الهيراركية الكنسية الإسبانية كي يتخلوا عن الطقس المستعرب وينضموا للطقس الغالي أو الللاتيني. كان الشعب كله يقاوم، كل النبلاء، كل أعيان المملكة، كل الأساقفة، كل الكرادلة… لكن ألفونسو السادس، في الوقت الذي يحدث فيه هذا، وبالتحديد عام 1064، كان عرضة للضغوط ممن كانت زوجته حينذاك، دونيا كونستانسا، والتي كانت بورجونية وبدورها عرضة للضغوط من جانب رهبان كلوني. كان هذا عندما دخل الكلونيون إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، استولوا على طريق النجوم الذي كان يقود إلى الفينيستر الغربي، أتحدث عن طريق سانتياجو؛(7) غيروا اتجاه ذلك الطريق وحولوه إلى طريق تجاري سياحي، مبتعدين به عن أماكن القوة، عن مراكز الطاقة الكونية والأرضية التي ميزت ووتدت هذا الطريق. ولأن رب ضارة نافعة فعلينا أن نقدم الشكر للرهبان الكلونيين لزراعتهم في إسبانيا، وبالتحديد في جاليسيا وليون، داليات النبيد المجلوبة من الراين والموسيلا، وبفضل هذا يمكننا اليوم تذوق النبيذ العجيب، نبيذ  البارينيوس.

    في عام 1046، قام البابا بإرسال نائب بابوي- أوبو كانديدو Ubo Cándido– في مهمة مسعاها توحيد الطقس بأي ثمن. إن الملك ألفونسو السادس، وقد تم الضغط عليه من قبل قرينته الفرنسية والرهبان الكلونيين والبابا وملك فرنسا، قد انتهى به الأمر إلى أن يقف في صف التحول من الطقس المستعرب إلى الطقس اللاتيني. لكن الشعب الإسباني، كما أشرنا منذ قليل، وقف بكامله تقريبا ضد هذا التحول وكذلك كل نبلاء إسبانيا. حينذاك قرر الملك أن يقوم بمسرحية هزلية في طليطلة، أن يدع الأمر للحكم الإلهي. قال بإنه سوف يشعل محرقة، في حضور كل أعيان ونبلاء المملكة، وسوف يقوم بإلقام النار كتابا مستعربا وآخر لاتينيا وأن الكتاب الذي سينجو من الحريق سيكون هو من يفرض نفسه ويبدو أن الكتاب الناجي كان المستعرب ومع ذلك فإن الملك فرض الطقس الغالي، كان ذلك عندما قام الشعب الإسباني بصياغة تلك الجملة القديمة التي تحولت فيما بعد إلى مثل شعبي (8)allá van leyes do quieren reyes”.

    إنها لحظة دراماتيكية في تاريخ إسبانيا وهي كذلك لأن المعرفة القديمة وكل تراث الشعوب البدائية الإيبيرية . كان محفوظا في مخطوطات كتبت بالخط المستعرب أو القوطي الجرماني. بعد خمسين عاما وعندما مات الجيل الذي كان باستطاعته قراءة وفهم تلك الخطوط، نتجت قطيعة مع كل تلك المعرفة التراثية، لم يكن أحد بقادر على قراءة تلك المخطوطات. عمليا، كما لو كانت إسبانيا تبدأ دون أي تراث، دون أصل ودون أية سيرة ذاتية؛ كانت تبدأ تتعلم المشي. كانت المرة الأولى التي نضطر فيها للتخلي عن اللاوعي الجمعي،وستأتي مرات أخرى بيد فرنسا وإيطاليا وتلك التي تسمى أوروبا، في ذلك الوقت، أوروبا التجار.

    كذلك في تلك اللحظة عندما قرر السيد، فارس قستالة العظيم،الفارس الشجاع لإسبانيا الواسعة، الفارس المستعرب كما قد كانه، أن ينفي نفسه وأن يظل فيما تبقى له من أيام يحارب في أراضي المسلمين لصالح بعض الملوك؛ عاد فقط لينضم إلى القوات القشتالية عندما حدث الإنزال الثاني لجنود يوسف المرابطي في شبه الجزيرة الإيبيرية حينئذ تدخل في معركة الزلاقة (9) Sagrajas إلى جانب بعض ملوك الطوائف، لأن ما كان يمثله وصول المرابطين، لا أكثر ولا أقل مع احترام المسافة الزمنية، هو ما نسميه اليوم بالأصولية.

    في أطراف الإسلام، في إيران وفي شبه الجزيرة الإيبيرية، ولأسباب واضحة تتعلق بالبعد الجغرافي، كانت قد أينعت زهور الحرية. لم تكن هذه الأطراف مربوطة إلى أرثوذكسية بغداد أو دمشق، مثلما كانته بعض الأقاليم شديدة القرب من هاتين المدينتين وهذا ما سمح بأن يزدهرالإسلام بشكل حر في إيران وفي شبه الجزيرة الإيبيرية، إسلام يمكن فيه شرب الخمر، إسلام كان يمكن فيه التغزل بالحبيبة شعرا، إسلام حسي، إسلام وثني بأفضل ما في الكلمة من معنى، كل أشكال الفكر الصوفي وكل مراتب الفكر الحر.

    أعتقد أن المثل الذي يمنحه لنا “السيد” عليه أن يكون حاضرا في لحظة كهذه تتخلى فيها إسبانيا عن سيادتها لتستسلم لتجار أوروبا.

    اللحظة الأخرى التي على أن أستحضرها هنا في معرض الحديث عن الإسلام الإسباني هي لحظة مدرسة المترجمين بطليطلة. كما تعرفون جميعا فإن هذه المدرسة حازت على لحظتين كبيرتين، الأولى في القرن الثاني عشر تحت حكم الملك ألفونسو السابع والثانية في منتصف القرن الثالث عشر تحت حكم ألفونسو العاشر الحكيم. يضحكني كثيرا عندما أسمع إذا ما كان على إسبانيا أن تكون حاضرة في أوروبا أم لا، في أي أوروبا على إسبانيا أن تكون حاضرة؟ في أوروبا التجار، في أوروبا التي تستحيل إلى قلعة متوحشة من عدم التضامن بالنسبة للكائنات الإنسانية، بالنسبة لباقي العالم؟ في أوروبا ماستريشت أم أوروبا بيتهوفن، أوروبا مايكل أنجلو أم أوروبا ليوناردو، في أوروبا بيلاسكيث أم في أوروبا ثربانتس؟ في أوروبا هذه التي تعنينا في الحقيقة ليس علينا الدخول فيها لأننا قمنا بذلك بالفعل، أوروبا هذه وجدت بفضل شبه الجزيرة الإيبيرية، وجدت، بالأحرى، بفضل مدرسة المترجمين بطليطلة، بالنسبة إلى كانت اللحظة المشرقة في تاريخ إسبانيا. خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر كان هناك حكماء يهود ومسلمون ومسيحيون في تجانس تام وفي توازن كامل وفي توافق مطلق يجلسون معا مستغلين تلك الأجواء من التسامح والتي لم تعد أبدا إلى الظهور في هذه البلاد وبقومون بالترجمة إلى اللاتينية، وأحيانا إلى اللغات الرومانية، كل كلاسيكيات الفكر اليهودي والعربي حيث كان يلوذ أفلاطون وأفلوطين وأرسطو وكل الفكر الإغريقي اللاتيني الذي نسيته أوروبا؛ استعاد مترجمو مدرسة طليلة هذه النصوص وألحقوها عبر اللاتينية بالأوروبي الخشن وهذا ما سيسمح، بمرور الزمن، بإعطاء أصل للبزوغ الكبير لعصر النهضة وبعد ذلك البزوغ الكبير للقوميات الأوروبية.

    ما كانت لتوجد أوروبا دون مدرسة المترجمين بطليلطة ولذلك فإنه من المضحك، على هذا المستوى، أن يتم الحديث عن الحاجة للاندماج في أوروبا. بفضل مدرسة طليطلة فقد نجت من المجهولية أفكار رجال مثل عبد العزيز وكوستا بن لوقا والفرجان وابن سينا وابن رشد وابن ميمون وابن جبيرول ويهوذا أليفي وابن مسرة، وبالتحديد نجوا من المحرقة التي نشبت في الحال.

    الطريق الثالث للولوج في الإسلام الإسباني والذي أعرضه عليكم هو، وبشكل لا يمكن اجتنابه، التصوف. إن ميجيل أسين بلاثيوس (10)، المستعرب الكبير وأبو القومية العربية تقريبا، بالمعنى الحسن للكلمة، يتحدث عن جيئة وذهاب الفكر الديني، الفكر الصوفي من المسيحية إلى المسيحية، كان يعني بذلك كيف استقبل كبار المتصوفة في إسبانيا، عند مرور الإسلام بمصر وبلاد أخرى في شمال إفريقيا ودخوله في علاقة مع آباء الصحراء ورجال الإسكندرية والمسيحيين الأقباط، الرسالة الأولية للمسيح ثم نقلوها للإسلام وبعد ذلك من الإسلام، من ابن مسرة وابن عربي، من بعض كبار متصوفة الإسلام الإسباني، فقد رد ثانية إلى المسيحية. ما كان ليوجد  خوان دي لا كروث ولا تريسا دي خيسوس، ما كان ليوجد ميجيل دي مولينوس ولا الإشراقيون ولا الساكنون ولا المهجورون، دون سبق “مجانين الله” أولئك، طوال قرون حكم ملوك الطوائف. كانت استعادة للصوفية القادمة من المسيحية لكنها كانت عالمية، لأن اللغة الوحيدة العالمية الموجودة على ظهر البسيطة هي لغة المتصوفة. يتحدث المتصوفة اللغة نفسها في كل مكان. تحول الجنوب الإسباني إلى شعلة، شعلة من الإيمان والورع والجنون الصوفي الرفيع… ألمريا، أشبيلية، قرطبة، مورسية، ماريده كانت أماكن شبيهة بمدينة بنارس على نهر الجانج، كانت أماكن عامرة بالدروايش والهائمين والمتنسكين وقديسي الفلاة والفقراء والجورو، باختصار “مجانين الله”.

    على أن أذكر اسم ابن مسرة والذي كان يدعى “إمبادوقليس الجديد”، حلقة سلسلة ضائعة بين الإسلام والتراث الهرمسي الأفلاطوني الجديد والمسيحية. على أن أذكر كذلك، وإن لم يكن مسلما لكنه تقريبا كان يبدو مسلما، اسم رايموند لوليو (11) أو يول، الرجل الذي تعلم العربية، في زمن لم يكن يخطر ببال أحد أن يفعلها، وذهب إلى “أرض الكفار”، إلى سوريا وفلسطين ومصر وأثيوبيا وموريتانيا وتخلى عن نتف لحيته في بونا (12) من جراء حشد غاضب من الناس وكان على وشك أن يعدم بلا محاكمة في بجاية وأسلم الروح في رحلته الثالثة إلى بجاية حيث مات مرجوما بالحجارة. رايموند لوليو هو واحد من حلقات السلسلة المفقودة تلك بين التفكير القروسطي وتفكير عصر النهضة، بين الهرمسية السكندرية وبين الصوفية المسيحية والإسلامية.

    محيي الدين بن عربي واحد من كبار الإسبان على مر العصور. ولد في مدينة مورسية 1165، حياته هي إعادة إنتاج لحياة ابن مسرة ولوليو وحياة بريثيليانو، حوالي سبعة أو ثمانية قرون من قبله. صوفيون أحرار، صوفيون كانوا يسافرون محاطين بالنساء، صوفيون لم يزدروا أبدا أيا من متع الحياة، صوفيون “يساريون”.

    كتب ابن عربي كتابين: الفتوحات والفصوص، عمليا هما كتابان مجهولان في إسبانيا، بلده، ومع ذلك هما بيست سيلر في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

    أظهر آسين بلاثيوس بشكل تام ولا يسعني سوى هنا سوى أن أذكر ما قاله، كيف أن لغة المتصوفة المسيحيين من الكوميديا الإلهية لدانتي وحتى تريسا دي خيسوس وخوان دي لاكروث وميجيل مولينوس ما هي إلا نسخ  لتصوف ابن مسرة وابن عربي وكتاب “زوهار”(13) وهو، كما تعرفون، الكتاب الأساسي للقابالا.

    سوف أقرأ سريعا بعض السطور التي كنت قد كتبتها عن قصد في كتابي “جارجوريس وهابيديس” (14) حيث أشرت إلى تطابق المناهج والمفردات والمذاهب وحتى الصور البلاغية المقترحة في فترات تاريخية مختلفة من قبل دروايش الأندلس ورهبان قشتالة “ضيق الروح واتساعها، فراغها وعريها، رموز النهار والليل المظلم، استعارة الحجاب والمرآة، البرق المفاجئ، والذرات التي تطفو فوق أشعة الشمس، المياه المجلوبة من جوف الأرض وكذلك اللعبة الطموحة للانخطاف والنشوة، مميزة بين الوعي البسيط وبين فناء الروح الأصلي في الله، تنكشف ميراثات متراكبة للعرقين معا وثمرة مشتركة، في الحقيقة، لشجرة إلى حد ما منعزلة وعلى أية حال أكثر علوا (المذاهب المعلنة من قبل آباء الصحراء في الرهبانية غير المختزلة للمسيحية الشرقية).

    سوف أهجر الآن هذا النهج للولوج إلى الإسلام عبر ما هو إيبيري وسوف أقصد قليلا إلى الحاضر، حيث إن  موضوع هذه الندوات “الإسلام في مواجهة النظام العالمي الجديد”.

    في هذه اللحظات فإن ذكر الإسلام أو محمد أو القرءان إنما يساوي، عمليا، الحديث عن “الأصولية”؛ يخلط معظم الناس وكذلك الرأي العام إجمالا بين الإسلام والأصولية. ما الأصولية؟ الأصولية هي التطبيق الحرفي للكتب المقدسة، دون التوقف أما فعل، بديهي، أن كل الكتابات المقدسة، مسيحية كانت أم هندوسية أم إسلامية، إنما تستخدم لغة رمزية وليست واقعية. كي نفهم بعضنا، فإن الأمر شبيه مثلا بقراءة قصيدة لعمر الخيام، الذي كان يتغنى بالخمر في قصائده، في رباعياته، فسوف نتصور أن عمر الخيام كان سكيرا دون الانتباه إلى أن الخمر هي استعارة للنشوة الصوفية والتي هي الهدف الأساسي لكل المتصوفة كالخيام.

    الأصولية الإسلامية؟ ولكن إذا كنا نعيش عصرا من الأصولية في كل مكان. أي ظلم هائل في مماهاة الأصولية مع صورة المسلم، لدينا أصولية مسيحية فظيعة ووحشية تعبر عن نفسها في تلك الجملة التي تعلمها كثير منا في المدارس “لا نجاة خارج الكنيسة”. لدينا أصولية يهودية والتي تجعل اليهود يعتقدون أنه لمجرد أنهم عاشوا منذ ألفي عام في الأراضي المقدسة، فلسطين أو إسرائيل، لنسمها كما نشاء، فإن ذلك يعطيهم الحق لا في أن يعيشوا هناك بل وأن يحكموا تلك الأراضي بشكل حصري. أصولية يسارية، المساواتية… ما المساواتية إلا شكل من أشكال الأصولية؟ هل هناك ما هو أكثر ظلما من المساواتية التي تقوم على جعل الكائنات الإنسانية متساوية دون التوقف أمام الفعل البديهي لأي شخص ليس لديه غشاوة على عينيه أننا كائنات لا تتكرر وأنه لا يوجد شخصان متماثلان على وجه الأرض. أصولية أمريكية، واحدة من أسوأ الأصوليات، أصولية كلينتون والنظام العالمي الجديد، أصولية أولئك الذين يدعون بحق تحولهم، عبر التكنولوجيا والتسليح، إلى شرطي العالم. أصولية “العجل الذهبي”، السوق، الاستهلاك: أصولية الاقتصاد. وكل هذه الأصوليات، في النهاية، تصب في أسوأ الأصوليات: الأصولية اليهودية المسيحية.

    هوامش المترجم:

    1- Hidalguía “النبالة” تأتي في الإسبانية من Hijo de algo بمعنى “ابن لصنيع ما”.

    2- جيل 27 هو جيل الشعراء الإسبان الكبار: فيديريكو جارثيا لوركا وبيثنتي أليشاندره وميجيل إرناندث ورافائيل ألبرتي ولويس ثيرنودا وخورخي جيين، بين آخرين.

    3- إميليو جارثيا جوميث: (مدريد 1905-1995)، المستعرب الكبير، قدم الشعر العربي الأندلسي إلى القارئ الإسباني مما كان له تأثيره الكبير على جيل 27 وخصوصا لوركا، كما ترجم إلى الإسبانية، على سبيل المثال، الأيام لطه حسين ويوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم.

    4- يعرف هذا التمرد باسم “هيجة الربض” وهو التمرد الذي قاده أعيان قرطبة وفقهاؤها ضد “الحكم بن هشام الأول” وذلك عام 818 والذي عرف بتعسفه وظلمه، مما أدى في النهاية إلى إبادة الكثير منهم وتشريد آلاف الأسر وطردها خارج الأندلس.

    5- ملحمة السيد، تروي حكاية هذا المحارب وانتصاراته وتجدر الإشارة إلى الترجمة العربية التي قام بها د. الطاهر مكي.

    6- mozárabe أو المستعرب هو المسيحي الذي كان يعيش في الممالك الإسلامية في شبه الجزيرة الإيبيرية كذمي.

    7- طريق سانتياجو هو طريق الحج الشهير للحجاج القادمين من أوروبا ومن إسبانيا كي يصلوا إلى كاتدرائية كومبوستلا حيث ترقد رفات الحواري سانتياجو، حسب الكنيسة الكاثوليكية. والطريق يمتد على مسافة هائلة تقرب من الثمانمائة كيلومتر.

    8- تمكن ترجمته على النحو التالي: “تأتي الصكوك من حيث يرغب الملوك”. بمعنى فرض القانون من قبل الملك وإن كان ضد رغبة الرعية.

    9- تعرف بمعركة الزلاقة لكمية الدماء التي سالت وجعلت الأرض زلقة تحت أقدام الجنود، وقعت عام 1086 بين قوات ألفونسو السادس الملك القشتالي وبين قوات المرابطيين بقيادة يوسف بن تاشفين وانتهت بانتصار ابن تاشفين.

    10- الأب ميجيل آسين بلاثيوس (1871-1944) المستعرب الكبير، أبدى اهتماما فائقا بالفسلفة الإسلامية والتصوف وبحث تأثر دانتي في الكوميديا الإلهية بالثقافة الإسلامية وخصوصا قصة الإسراء والمعراج ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري.

    11- رايموند لوليو (1233-1315) فيلسوف وشاعر وصوفي ولد في جزيرة مايوركا الإسبانية.

    12- الاسم القديم لميناء عنابة بالجزائر.

    13- كتاب “زوهار” أو المجد وينسب إلى شمعون بن يوخاي في القرن الثاني للميلاد وهو أحد الكتب الأساسية لحركة القابالا الصوفية اليهودية.

    14- جارجوريس ملك ميتولوجي كانت له علاقة محارم مع ابنته ومنها أنجب هابيديس وتعزى الأسطورة إلى الكوريتيين الذين عاشوا في جبال “الوادي الكبير” ويقال إنهم أول من استوطن شبه الجزيرة الإيبيرية.

    * لقراءة النص الإسباني للمحاضرة اضغط هنا