Tamer Youssef-USA

  •  



    كثيراً ما أشرد بذاكرتي وأسترجع أيام ولت ..
    أسترجع ذكريات وأحداث وأشخاص ..

    هناك واقعة قديمة حدثت لي يوماً ما أذكرها كأنها حدثت بالأمس ..
    وكنت وقتها رسام يافع لا يتعدى مرحلة الدراسة بعد ..
    أرسم وتنشر أعمالي بأحد الصحف الفرنسية القديمة ..

    ذات صباح باكر وأنا في طريقي إلى المدرسة توقفت عند عربة فول كالتي تملئ شوارع القاهرة لأشتري لنفسي ساندويتش من الفول اللذيد أتقوت به في يوم دراسي طويل .. هم البائع بتحضير صحن كبير من الفول وأضاف له الزيت والتوابل والسلطة وطحين السمسم وخلافه، ليغطي طلبات الزبائن الملتفين حول عربته الذين يراقبون خطوات التحضير وقد سال لعابهم في مشهد كاريكاتيري ضاحك يذكرك بثورة الجياع .. وما أن انتهى البائع من تجهيزه إلا وسارع بملئ أرغفة العيش البلدي الصابح وهم بتغليف كل ساندويتش مع بعض المخللات بورقة جرنال كالمعتاد .. مددت يدي أخطف الساندويتش من يده وهو يوزع الساندويتشات على زبائنه ..

    كانت المفاجأة عندما فتحت ورقة الجرنال لألتهم ما بداخله بعد طول إنتظار .. لأجد أن ورقة الجرنال التي أمتزج حبرها بالساندويتش ما هي إلا تلك الصفحة التي أرسمها أسبوعياً بالجريدة الفرنسية .. كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي وأرقني كثيراً فكرة أني أرسم وأبذل الجهد لإناس لا ترى ولا تقرأ .. فقط يأكلون الفول على صفحات الجرنال الذي أرسم به وظلت هذه الفكرة تسيطر علي لفترة طويلة ..

    إلا أني الآن أضحك كلما تذكرت هذه الواقعة التي ربما حدثت لي منذ ما يزيد عن عشرين عاماً .. لا لشئ يذكر سوى أن ما لا يقرأه أو يشاهده البعض من أعمال عبر صفحات الجرائد، يأكل أحباره في معدته ممزوجة مع ساندويتشات الفول والطعمية والباذنجان المقلي والبطاطس ألخ .. أي أن أعمالي ببساطة ربما قُرِأت من البعض وربما هضمها البعض الأخر .. ربما فلسفة مضحكة وساخرة.

    وبعيدً عن الهزل المخلوط بالجد .. ومن خلاصة ما قيل .. وصلت إلى نتيجة ومعادلة واحدة .. وهي إني سأظل أرسم وأكتب .. وأنشر أعمالي هنا وهناك .. حتى وإن كان لدي قارئ واحد متابع لأعمالي .. وهناك أخرون ….. يهضمونها!

    خالص المودة

    تامر يوسف

    من “يوميات رسام كاريكاتير في المهجر
    سان فرانسيسكو، كاليفورنيا